الاقتصاد السياسي للتعليم العربي‮ .. ‬سياسات ومقاربات مقارنة

09 نوفمبر 2016

كان فشل سياسات الإصلاح التي اتخذها عدد من دول الثورات العربية في مجالات ذات أهمية لمواطني تلك الدول، مثل التعليم والصحة، وراء انتفاض الشعوب ضد أنظمتها السياسية السلطوية‮. ‬وقد كانت هذه المقاربة‮ ‬غائبة عن كثير من الدراسات والكتابات الغربية والعربية التي درست أوضاع المنطقة قبل ثورات الربيع العربي وبعده‮.‬

وفي محاولة لسد النقص في تلك الدراسات،‮ ‬يأتي هذا الكتاب الذي يقدم تحليلا شاملا لنظم التعليم الأساسية في الدول العربية، من خلال تعميق فهم هياكلها الإدارية، وتأثير الحسابات السياسية في قدرتها علي الانخراط في إجراء إصلاحات ذات مغزي‮. ‬وأهم ما يميز الكتاب اعتماده علي منظور الاقتصاد السياسي المقارن كأساس لدراسة الأسباب الكامنة وراء الركود السياسي في الدول العربية، بهدف تحليل ومقارنة نظم التعليم المختلفة لتقديم رؤية جديدة للأنظمة العربية،‮ ‬سواء بهدف الإصلاح،‮ ‬أو تصميم وتنفيذ سياسات من شأنها إعادة تصميم الهياكل الإدارية‮.‬

مسببات الركود السياسي في الدول العربية‮:‬

عرض المؤلف لأسباب الركود السياسي في الدول العربية،‮ ‬والتي من أهمها الاعتماد علي الاستراتيجيات السلطوية القائمة علي زيادة القمع،‮ ‬وتوظيف الخطاب السياسي الطائفي لإحكام السيطرة الأمنية علي المشهد السياسي والاقتصادي، وتجاهل إصلاح السياسات المنشودة في مجالي الصحة والتعليم التي لابد أن تبني علي أساس من الانفتاح الديمقراطي، وتجنب جمود البيروقراطية التقليدية،‮ ‬من خلال إنشاء هياكل إدارية موازية تهدف إلي النهوض بجودة التعليم، وفتح المجال أمام متعلمي الطبقة الوسطي للترقي والانضمام لهذه الهياكل الجديدة، والاستفادة من قدراتهم التعليمية والابتكارية بما يعزز الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي لتلك الدول‮.‬

وقدم المؤلف أمثلة لتلك الأنظمة التي استطاعت تجاوز جمود البيروقراطية التقليدية، واتباع الإصلاحات التي تتوافق مع المعايير الدولية ببناء هياكل إدارية ديناميكية،‮ ‬مثل قطر والإمارات العربية المتحدة‮. ‬وأشار إلي أن أهم ما يميز هذه الأنظمة هو تخليها عن المفهوم التقليدي للإصلاح،‮ ‬والذي لابد من أن يقدم من أعلي إلي أسفل، ولجوء هذه الأنظمة إلي فهم تحديات الإصلاح الرئيسية التي تتمثل في عدد من الاختلالات الديموجرافية، والسياسية، والاقتصادية، وعليه تم التعامل مع هذه التحديات،‮ ‬واحتواؤها،‮ ‬والاسترشاد بالآراء الشعبية من أجل التغيير‮. ‬وهذا النهج المختلف للتعامل مع جميع التحديات التي واجهت هذه المجتمعات هو ما نتج عنه تنفيذ واستدامة الإصلاحات السياسية التي تم اتباعها‮.‬

الإصلاح السياسي والتعليم‮:‬

*الحدث اليوم - القاهرة

يشير الكاتب إلي أن إصلاح السياسات والإدارة دون الانفتاح الديمقراطي يطلق عليه‮ "‬تحرير دون الديمقراطية‮". ‬كما أن إصلاح السياسات بمعزل عن معالجة أوجه القصور في أنظمة التعليم ما هو إلا‮ "‬إصلاح هش وسطحي‮". ‬فالإصلاح الحقيقي للتعليم سيترتب عليه دون شك إحداث حالة من الزخم السياسي والاقتصادي الهادف إلي إرساء سياسات تنموية مستدامة،‮ ‬قوامها التعليم، ومن ثم تعزيز قدرة الأنظمة العربية علي الانخراط في إصلاح السياسات الهادفة إلي تعزيز النمو الاقتصادي‮.‬

ويشير المؤلف إلي أن دراسة ومناقشة السياق التاريخي والسياسي لأي دولة لا تتم بمنأى عن دراسة ومناقشة نسقها التعليمي، وخطط تطوير هذا النسق، الذي سيتحول إلي دافع ومحفز علي تطوير الهياكل الإدارية، والسياسات الاقتصادية لتحقيق نهضة المجتمعات‮.‬

ولتخطيط وتصميم نسق تحليلي متكامل لمنظومة التعليم بالدول المختلفة،‮ ‬يري المؤلف أنه لابد من توافر معلومات وبيانات عن الأعداد الملتحقة بالتعليم، والناتج المحلي الإجمالي للفرد والعمالة بهدف تصميم مسار العلاقة بين التعليم والأداء الاقتصادي،‮ ‬وإصلاح السياسات في الدول العربية،‮ ‬واستخدام تحليل المسار لتحديد شكل العلاقة،‮ ‬وأيهما المتغير المستقل، وأيهما التابع، تمهيدا لتفسير المعوقات التي تواجه إصلاح التعليم، وكيفية التغلب علي هذه المعوقات للتوصل إلي النتائج المتمثلة في تحديد سياسات الإصلاح المبتغاة للنهوض بهذه المجتمعات‮.‬

نظرة مقارنة لإصلاح التعليم‮:‬

انتقل المؤلف لتحليل العلاقة بين التعليم والأداء الاقتصادي لتفسير الحوافز والمعوقات التي تواجه إصلاح التعليم، معتمدا علي الإطار الذي تم تطويره من قبل البنك الدولي لقياس ضمان الجودة التعليمية،‮ ‬وتطبيقه علي الحالتين المصرية والقطرية‮. ‬ويستند هذا الإطار إلي ضرورة تنفيذ عدد من المهام من أجل تحقيق جودة التعليم‮. ‬ومن الشروط الرئيسية لتحقيق النجاح،‮ ‬وفقا لهذا الإطار،‮ ‬هي تعيين جميع الوظائف اللازمة لجهات معينة‮ (‬مثل وزارة التربية والتعليم، والمدارس، والمعلمين، وما إلي ذلك‮)‬، وفصل وضع السياسات عن مهام الرقابة‮.‬

ويبني هذا الإطار علي ثلاث فرضيات‮. ‬تقوم الفرضية الأولي علي أنه كلما زاد حجم السكان، قلت قدرة النظام علي الانخراط في الإصلاح التنظيمي‮. ‬فقطاع التعليم كبير الحجم من حيث عدد الطلاب والهياكل البيروقراطية،‮ ‬وهو ما يعني أن التغيير يمكن أن يهدد قطاعات أوسع من السكان‮. ‬فالطلاب لديهم آباء، الذين تتم إضافتهم إلي الأطراف المتضررة، فضلا عن الشركات ذات الصلة التي تعمل في مجالات الكتب والدروس الخصوصية‮. ‬وهذه الحجة تترجم في انخفاض احتمالات تغطية جميع وظائف ضمان الجودة التعليمية، وعلي رأسها المهام المتعلقة بتقييم وتحليل الأثر‮. ‬أما الفرضية الثانية،‮ ‬فتقوم علي أن زيادة أعداد الهياكل القائمة تزيد من احتمال تكرار الوظائف‮. ‬الفرضية الثالثة والأخيرة تبني علي أساس التهديدات القائمة للنظم السياسية، والسيطرة المركزية للنظام القائم،‮ ‬وربطه بنظام تعليم أكثر استقرارا، والذي يترجم إلي توزيع واضح للمهام المحددة لضمان الجودة، والفصل بين صنع السياسات وتنفيذها‮.‬

ويخلص المؤلف هنا إلي أن البلاد صغيرة الحجم والسكان تستطيع الفصل بين وضع السياسات ومهام الرقابة، وهو ما يقلل من احتمالية ازدواج الوظائف،‮ ‬مقارنة بالبلاد الأكبر حجما وسكانا الأكثر تعقيدا‮. ‬وتفيد دراسة الآثار المترتبة علي الحجم، والتاريخ، والاستقرار السياسي في النظم التعليمية، ورؤية كيفية عملها في الممارسة العملية، في فهم التحديات التي تواجه الأنظمة العربية،‮ ‬وإمكانية الانخراط في الإصلاح علي المدى الطويل‮.‬

ارتباط التعليم بالمشاركة المدنية‮:‬

ينهي المؤلف الدراسة المقارنة التي استخدمها الكاتب في التحليل، مع الاستعانة باستطلاعات الرأي،‮ ‬بأن التعليم له تأثير إيجابي في المشاركة المدنية، وأن التحالفات المؤيدة للديمقراطية،‮ ‬التي خلقت الزخم من أجل الصحوة العربية،‮ ‬نجمت عن التوسع في الطبقة الوسطي المتعلمة التي تواجه ضغوطا متزايدة،‮ ‬وفرصا أقل‮. ‬وعليه،‮ ‬لابد من سد الفجوة بين الأعداد الكبيرة من الخريجين،‮ ‬وسوق العمل الذي لا يتمكن من استيعاب هذه الزيادة، وهو ما يتطلب إجراء إصلاحات متزامنة في نظم التعليم،‮ ‬والسياسات الاقتصادية‮.‬

وعليه،‮ ‬يعد الكتاب بمنزلة عدسة لفهم الحاضر، مبنية علي تحديد مسارات الوضع الراهن، وأسباب الركود، والمحفزات للتغيير في السياقات السياسية للأنظمة العربية، ومن ثم إفراز نظم سياسية واقتصادية قائمة علي تبني إصلاحات إدارية حقيقية، تفصل ما بين الرقابة،‮ ‬ووضع السياسات، وتخضع للمساءلة‮. ‬فتقدير المخاطر التي تواجه الأنظمة المختلفة،‮ ‬وقدرتها علي إصلاح السياسات،‮ ‬وتطوير هياكلها الإدارية، من شأنه إدارة هذه المخاطر بنجاح عبر إصلاح التعليم، والنظم السياسية والهيكلية، وتطوير الأداء الاقتصادي، ومن ثم تفادى التوترات الاجتماعية،‮ ‬وركود وفشل السياسات والمجتمعات‮.‬

 

الآراء الواردة في الموقع لاتعبر عن رائي موقع الحدث اليوم بل تعكس وجهات نظر اصحابها فقط